سليمان بن موسى الكلاعي
331
الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله ( ص ) والثلاثة الخلفا
مكلم القوم وأن لا يجيبهم إلى شئ دعوه إليه إلا إلى إحدى هذه الخصال الثلاث . وكان عبادة أسود طويلا ، يقول ابن غفير : أدرك الإسلام من العرب عشرة ، طول كل رجل منهم عشرة أشبار ، أحدهم عبادة بن الصامت . فلما ركبوا السفن إلى المقوقس ودخلوا عليه تقدم عبادة فهابه المقوقس لسوداه ، فقال : نحّوا عنى هذا الأسود ، وقدموا غيره يكلمني . فقالوا جميعا : إن هذا الأسود أفضلنا رأيا وعلما ، وهو سيدنا وخيرنا والمقدم علينا ، وإنما نرجع جميعا إلى قوله ورأيه ، وقد أمره الأمير دوننا بما أمره به ، وأمرنا أن لا نخالفه . قال : وكيف رضيتم أن يكون هذا الأسود أفضلكم ، وإنما ينبغي أن يكون دونكم ؟ . قالوا : كلا ، إنه وإن كان أسود كما ترى ، فإنه من أفضلنا موضعا ، وأفضلنا سابقة وعقلا ورأيا ، وليس ينكر السواد فينا . فقال له المقوقس : تقدم يا أسود وكلمني برفق فإني أهاب سوادك ، وإن اشتد كلامك علىّ ازددت لذلك هيبة . فتقدم إليه عبادة فقال : قد سمعت مقالتك ، وإن فيمن خلفت من أصحابي ألف رجل كلهم أشد سوادا منى وأفظع منظرا ، ولو رأيتهم لكنت أهيب لهم منك لي ، وأنا قد وليت وأدبر شبابي ، وإني مع ذلك ، بحمد الله ، ما أهاب مائة رجل من عدوى ولو استقبلونى جميعا ، وكذلك أصحابي ، وذلك أنا إنما رغبتنا وهمتنا الجهاد في الله واتباع رضوانه ، وليس غزونا عدونا ممن حارب الله لرغبة في دنيا ، ولا طلبا للاستكثار منها ، إلا أن الله ، عز وجل ، قد أحل لنا ذلك ، وجعل ما غنمنا منه حلالا ، وما يبالي أحدنا أكان له قنطار من الذهب أم كان لا يملك إلا درهما ؛ لأن غاية أحدنا من الدنيا أكلة يأكلها يسد بها جوعته لليله ونهاره ، وشملة يلتحفها ، فإن كان أحدنا لا يملك إلا ذلك كفاه ، وإن كان له قنطار من ذهب أنفقه في طاعة الله تعالى واقتصر على هذا الذي يتبلغ به ما كان في الدنيا ؛ لأن نعيم الدنيا ليس بنعيم ورخاءها ليس برخاء ، إنما النعيم والرخاء في الآخرة ، وبذلك أمرنا ربنا ، وأمرنا به نبينا ، وعهد إلينا أن لا تكون همة أحدنا من الدنيا إلا ما يمسك جوعته ، ويستر عورته ، وتكون همته وشغله في رضى ربه وجهاده عدوه . فلما سمع المقوقس كلامه قال لمن حوله : هل سمعتم مثل كلام هذا الرجل قط ؟ لقد هبت منظره ، وإن قوله لأهيب عندي من منظره ، وإن هذا وأصحابه أخرجهم الله لخراب الأرض ، ما أظن ملكهم إلا سيغلب على الأرض كلها . ثم أقبل على عبادة فقال : أيها